التملك السكني شهد خلال السنوات الأخيرة تحولًا تاريخيًا غير مسبوق، لم يقتصر فقط على زيادة المعروض السكني أو إطلاق مشاريع عمرانية جديدة، بل امتد ليعيد صياغة العلاقة بين المواطن والسكن، ويحوّل التملك من حلم طويل الانتظار إلى خيار واقعي قابل للتحقق. وقد تجلّت ملامح هذا التحول بوضوح في الحلقة الحوارية التي ناقشت فلسفة التملك السكني ضمن مستهدفات رؤية 2030، حيث تم تسليط الضوء على رحلة التطوير الشاملة التي قادت إلى تغيّر جذري في مفهوم الإسكان.
انطلق النقاش من إنجاز مهم يتمثل في وصول نسبة تملك المساكن إلى نحو 66%، وهو رقم يعكس تحولًا اجتماعيًا واقتصاديًا عميقًا، وليس مجرد مؤشر إحصائي عابر. فارتفاع نسبة التملك يعني بالدرجة الأولى تعزيز الاستقرار الأسري، وتقليل القلق المرتبط بالسكن، إضافة إلى بناء شعور طويل الأمد بالأمان الاجتماعي لدى المواطنين.
وقد أوضح معالي الوزير أن الوصول إلى نسبة 70% بحلول عام 2030 يمثل هدفًا استراتيجيًا يتجاوز فكرة امتلاك منزل، ليصبح جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي للأسر. فالمسكن لم يعد مجرد أصل عقاري، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في تكوين حياة متوازنة تسمح للأسرة بالتخطيط للمستقبل بثقة أكبر.
3 ركائز قادت تحول التملك السكني نحو مستهدف 70% في رؤية 2030
التحول من “الدولة البانية” إلى “الدولة الممكنة”
أحد أبرز المحاور التي تناولتها الحلقة تمثل في التحول الجوهري لدور الحكومة داخل القطاع السكني. ففي السابق، كانت الدولة تتحمل مسؤولية البناء والتطوير والتسليم المباشر للوحدات السكنية، وهو نموذج واجه تحديات كبيرة مع تزايد عدد السكان وتسارع الطلب على السكن.
ومع تطور الرؤية الاقتصادية، تم الانتقال إلى نموذج أكثر كفاءة يُعرف بـ”الدولة الممكنة”. ويقوم هذا النموذج على تمكين القطاع الخاص بدلًا من منافسته، من خلال توفير بيئة تنظيمية وتمويلية جاذبة تسمح بتوسّع المطورين العقاريين وزيادة الإنتاج السكني.
هذا التحول أوجد سوقًا أكثر مرونة، حيث لم يعد المواطن مضطرًا للانتظار سنوات طويلة للحصول على منتج سكني محدد، بل أصبح يمتلك حرية الاختيار بين حلول تمويلية متعددة ومنتجات عقارية متنوعة تناسب احتياجاته وقدرته المالية.
كما ساهمت برامج الدعم السكني في تقليل الفجوة بين القدرة الشرائية وأسعار الوحدات، الأمر الذي عزز فرص التملك لدى شرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا فئة الشباب والأسر الجديدة.
تنوع الخيارات السكنية ودور الشركة الوطنية للإسكان
أكد معالي الوزير أن النجاح الحقيقي لأي منظومة إسكانية لا يقاس بعدد الوحدات فقط، بل بمدى تنوع الخيارات المتاحة أمام المواطن. ومن هنا جاء الدور المحوري للشركة الوطنية للإسكان في تطوير مشاريع متعددة المستويات السعرية.
فقد تم طرح وحدات سكنية تبدأ أسعارها من نحو 200 ألف و300 ألف ريال، وصولًا إلى مشاريع تتجاوز قيمتها مليونًا وخمسمائة ألف ريال، وهو نطاق سعري واسع يضمن استيعاب مختلف شرائح الدخل داخل المجتمع.
هذا التنوع لم يكن هدفه زيادة المعروض فقط، بل خلق سوق متوازن يمنح المواطن القدرة على اتخاذ قراره السكني بحرية، دون فرض نموذج واحد أو نمط معيشي محدد. فاختيار المسكن أصبح مرتبطًا بأسلوب الحياة وتفضيلات الأسرة، وليس مجرد خيار اضطراري.
كما شدد الوزير على أهمية الحفاظ على التوازن المالي للأسرة، بحيث لا يستهلك السكن نسبة مرتفعة من دخلها تؤثر على الإنفاق في مجالات أخرى مثل التعليم والصحة والترفيه، وهو ما يعكس فهمًا أعمق لدور السكن في تحقيق رفاهية المجتمع.
جودة الحياة وأنسنة المدن
لم يتوقف التحولِ عند توفير الوحدات السكنية، بل امتد ليشمل تطوير البيئة الحضرية نفسها. فقد تناولت الحلقة مفهوم “أنسنة المدن”، الذي أصبح أحد المحاور الرئيسية في تخطيط الأحياء الحديثة.
ويقوم هذا المفهوم على جعل المدن أكثر ملاءمة للإنسان، من خلال تعزيز المماشي، والمساحات الخضراء، والمناطق المفتوحة، وتقليل الاعتماد الكامل على المركبات، بما يسمح للسكان بالتفاعل اليومي مع محيطهم العمراني.
فالحي السكني الناجح — وفق ما تم طرحه — هو الحي الذي يوفر الخدمات الأساسية على مسافة قريبة، مثل المدارس والمتاجر والمرافق الصحية والحدائق، مما يعزز الترابط المجتمعي ويرفع مستوى الرضا العام.
كما تسهم هذه العناصر في تحسين الصحة الجسدية والنفسية للسكان، وتدعم بناء مجتمعات أكثر حيوية واستدامة، حيث يشعر الفرد بالانتماء الحقيقي لمكان سكنه وليس مجرد الإقامة فيه.
الإسكان كركيزة اقتصادية واجتماعية
أوضحت الحلقة أن قطاع الإسكان لم يعد قطاعًا خدميًا فقط، بل أصبح أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الوطني، لما يرتبط به من صناعات وفرص وظيفية واستثمارات متنوعة.
فنشاط التطوير العقاري يحفّز قطاعات متعددة مثل البناء، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والتقنيات الحديثة، مما يخلق دورة اقتصادية متكاملة تسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني.
كما أن رفع نسب التملك ينعكس إيجابيًا على الاستقرار المجتمعي، حيث تميل الأسر المالكة لمساكنها إلى الاستقرار الوظيفي والاجتماعي بشكل أكبر، وهو ما يدعم التنمية طويلة المدى.
خاتمة موسعة: رؤية تتجاوز السكن نحو بناء مجتمع مستقر
في ختام هذه الحلقة الحوارية العميقة، يتضح أن فلسفة التملك السكني في المملكة لم تعد مجرد مبادرات إسكانية منفصلة، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا متكاملًا يربط بين الاقتصاد وجودة الحياة والاستقرار الاجتماعي.
فالتحول الذي شهده القطاع يعكس انتقالًا مدروسًا من الحلول المؤقتة إلى بناء منظومة مستدامة تمنح المواطن خيارات أوسع، وتحافظ في الوقت ذاته على توازن السوق العقاري واستقراره.
لقد أصبح السكن اليوم عنصرًا أساسيًا في تحقيق الطمأنينة الأسرية، وأداة لدعم التنمية الاقتصادية، وجزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى بناء مدن نابضة بالحياة تضع الإنسان في قلب عملية التخطيط الحضري.
وقد جاءت هذه الرؤية واضحة خلال الحوار الذي جمع بين الإعلامي عمر جريسي ومعالي الأستاذ ماجد الحقيل ضمن حلقات بودكاست سقراط، حيث عكست الحلقة فهمًا عميقًا لمستقبل الإسكان في المملكة، ورسالة تؤكد أن الهدف لم يعد فقط توفير المنازل، بل بناء مجتمع أكثر استقرارًا وجودة حياة، قادر على مواكبة طموحات رؤية المملكة 2030 وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة.
في شبكة عقار، أحد المنصات المرخصة من الهيئة العامة للعقار، نؤمن بأن شراكتنا هي أساس نجاحكم في السوق العقاري. نقدم لكم مجموعة متكاملة من الخدمات، تشمل باقات المطورين والمستثمرين، وعضويات المؤسسات العقارية والوسطاء، وخدمات التصوير والإنتاج والتصميم والتسويق الاحترافية، بالإضافة إلى الخدمات التقنية المتكاملة وتوثيق العقود الإيجارية عبر منصة إيجار. دعونا نكن شركاء في رحلتكم نحو تحقيق أفضل النتائج.
و سواء كنت شركة أو فردًا، وتبحث عن حلول عقارية احترافية، فإن شبكة عقار هي خيارك الأمثل. اترك التفاصيل علينا، فنحن نتولى كل شيء بكفاءة واحترافية. تواصل معنا عبر نموذج تسويق العقار أو نموذج طلب العقار، أو عبر الواتساب أو نموذج اتصل بنا، ودعنا نجعل تجربتك العقارية سلسة ومريحة.
لا تقتصر فائدة مدونتنا على هذا المقال فقط. ندعوك لاستكشاف أقسامنا المتنوعة حول التسويق العقاري والمؤشرات العقارية والمزادات العقارية وغيرها ، حيث تجد تحليلات مفصلة وأخبارًا محدثة ونصائح قيّمة تخدم كل العاملين في القطاع العقاري والمهتمين به. اكتشف آفاقًا جديدة لمعرفتك.