لم يكن السوق العقاري خلال العقود الماضية بمنأى عن التحديات، بل كان ميدانًا للمضاربات والاحتكار والتكديس غير المنتج للأراضي البيضاء. ولطالما ارتبطت مقولة “العقار الابن البار” بفكرة أن الأسعار لا تنخفض أبدًا، وأن تملك الأرض بحد ذاته يعد استثمارًا مضمونًا، حتى وإن لم تُطوَّر أو يُستفاد منها. لكن مع تسارع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع الحاجة إلى السكن لملايين المواطنين، ظهرت الحاجة إلى إصلاحات عميقة تُعيد تشكيل السوق العقاري على أسس جديدة.
في هذا السياق، سلط بودكاست هللة، الذي يقدمه الإعلامي حسين مطر، الضوء على أبرز هذه التحولات، من خلال حوار ثري مع العقاري مساعد بن سيّار. الحوار تناول بالتحليل مسار السوق العقاري من مرحلة المضاربات التي رفعت الأسعار دون مبرر، إلى مرحلة التطوير الفعلي المدعومة بالتدخلات الحكومية الحازمة، ودور المطورين الشباب والشركات الكبرى في تقديم منتجات سكنية عصرية تلبي احتياجات المجتمع وتواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030.
كيف كانت المضاربات ترفع الأسعار بشكل غير مبرر؟
أوضح مساعد بن سيّار أن السوق العقاري كان يعاني من تدوير مصطنع للأراضي. مجموعة من الملاك تتفق على بيع وشراء نفس الأراضي بأسعار متصاعدة، دون نية حقيقية للتطوير.
-
هذه العمليات خلقت فقاعات سعرية جعلت قيمة العقار ترتفع بنسبة لا تعكس قيمته الحقيقية.
-
المواطن البسيط وجد نفسه عاجزًا عن التملك، فيما بقيت الأراضي معطلة لعقود طويلة.
هذه الممارسات أنتجت آثارًا خطيرة على السوق العقاري بأكمله: ارتفاع غير منطقي للأسعار، غياب الشفافية، وتجميد مساحات شاسعة من الأراضي داخل المدن الكبرى.
تدخل الدولة: القوانين والحوكمة لضبط السوق العقاري
جاء تدخل الدولة عبر سلسلة من التشريعات والأنظمة ليضع حدًا لتلك الممارسات. أبرز هذه الأدوات كان نظام رسوم الأراضي البيضاء، الذي أجبر الملاك على الاختيار بين ثلاثة مسارات: التطوير والبناء، البيع، أو دفع الرسوم.
أشار مساعد بن سيّار إلى أمثلة حية تؤكد قوة هذه الأداة؛ إذ وصلت بعض فواتير الرسوم إلى 10 ملايين ريال، وأخرى إلى مليون ريال، ما دفع ملاكًا كثر إلى إعادة التفكير في استراتيجياتهم. والنتيجة كانت طرح ما يقارب 200 مليون متر مربع من الأراضي في السوق العقاري، وهو رقم يعكس حجم التغيير.
كما أسهمت القوانين في تقليص اجتماعات “المضاربين” وفرضت مزيدًا من الشفافية، الأمر الذي انعكس على الأسعار بانخفاضات ملموسة وصلت في بعض المناطق إلى 40% بعد شهر رمضان الماضي.
من الاكتناز إلى التطوير: جيل جديد من المطورين في السوق العقاري
يرى مساعد بن سيّار أن أهم تحول في السوق العقاري السعودي يتمثل في ظهور جيل جديد من العقاريين يختلف عن الجيل السابق.
-
جيل الأمس: كان يكتفي بشراء الأرض وتجميدها سنوات طويلة انتظارًا لارتفاع قيمتها.
-
جيل اليوم: يجمع بين التملك والتطوير، ويطرح منتجات سكنية حديثة وجاهزة للسكن.
ومن الأمثلة التي أوردها الضيف:
-
طرح دوبلكسات بمساحات 200–250 م² بأسعار تبدأ من 300 ألف ريال مع الدعم الحكومي.
-
وحدات سكنية بأسعار 150–200 ألف ريال فقط، وهو ما يمثل نقلة نوعية في السوق العقاري.
الشركات الكبرى وبناء المجمعات الحديثة
لم يقتصر التطوير على الأفراد الشباب، بل دخلت شركات كبرى إلى السوق العقاري برؤية طموحة لبناء مجمعات متكاملة. هذه المجمعات تعتمد على مساحات ذكية (150–200 م²) تراعي احتياجات الأسر الشابة وتستفيد من أحدث مفاهيم التخطيط العمراني.
هذا التوجه ينسجم مع مشاريع ضخمة تشهدها المملكة، مثل مشروع المربّع الجديد، حديقة الملك سلمان، مطار الملك سلمان، وإكسبو 2030 في الرياض. هذه المشاريع رفعت الطلب على الوحدات السكنية الحديثة، وأعطت الشركات دفعة قوية للاستثمار في التطوير العمراني بدلاً من المضاربة.
بين الرياض وجدة: رؤيتان للاستثمار في السوق العقاري
لفت مساعد بن سيّار إلى التباين بين مدينتي الرياض وجدة:
-
الرياض: تشهد حراكًا استثنائيًا مدفوعًا بالمشاريع الكبرى والبنية التحتية، ما يجعلها مركز جذب للاستثمار في السوق العقاري طويل الأمد.
-
جدة: تمثل “المستقبل القريب” للمستثمرين الباحثين عن أسعار أقل، إذ لا تزال أرخص من الرياض بفارق يصل إلى 70%، مع مقومات سياحية ودينية تجعلها سوقًا واعدًا.
خاتمة تحليلية موسعة
من خلال حديث العقاري مساعد بن سيّار مع الإعلامي حسين مطر في بودكاست هللة، يتضح أن السوق العقاري السعودي يعيش تحولًا جذريًا من مرحلة المضاربة غير المنتجة إلى مرحلة التطوير الفعلي.
لقد أسقطت رسوم الأراضي البيضاء هيبة المقولة القديمة «العقار الابن البار»، وفرضت واقعًا جديدًا يجعل التطوير هو السبيل الوحيد لنجاح العقاريين. ومع دخول جيل جديد من المطورين، وظهور منتجات سكنية بأسعار معقولة، بدأت تتشكل بيئة عقارية أكثر عدالة وشفافية.
إن العقد الأخير مثّل بالفعل نقطة فاصلة في مسيرة السوق العقاري: من سوق يرفع الأسعار اصطناعًا ويعاني من قلة الشفافية، إلى سوق أكثر نضجًا يقوده التطوير والإنتاج. هذه التحولات لا تخدم المواطن الباحث عن مسكن وحسب، بل تضع المملكة على طريق استدامة عقارية متوافقة مع أهداف رؤية 2030، وتفتح أبواب الاستثمار أمام اللاعبين المحليين والعالميين في السوق العقاري السعودي الذي يعد اليوم من الأكثر حيوية في المنطقة.
في شبكة عقار، أحد المنصات المرخصة من الهيئة العامة للعقار، نؤمن بأن شراكتنا هي أساس نجاحكم في السوق العقاري. نقدم لكم مجموعة متكاملة من الخدمات، تشمل باقات المطورين والمستثمرين، وعضويات المؤسسات العقارية والوسطاء، وخدمات التصوير والإنتاج والتصميم والتسويق الاحترافية، بالإضافة إلى الخدمات التقنية المتكاملة وتوثيق العقود الإيجارية عبر منصة إيجار. دعونا نكن شركاء في رحلتكم نحو تحقيق أفضل النتائج.
و سواء كنت شركة أو فردًا، وتبحث عن حلول عقارية احترافية، فإن شبكة عقار هي خيارك الأمثل. اترك التفاصيل علينا، فنحن نتولى كل شيء بكفاءة واحترافية. تواصل معنا عبر نموذج تسويق العقار أو نموذج طلب العقار، أو عبر الواتساب أو نموذج اتصل بنا، ودعنا نجعل تجربتك العقارية سلسة ومريحة.
لا تقتصر فائدة مدونتنا على هذا المقال فقط. ندعوك لاستكشاف أقسامنا المتنوعة حول التسويق العقاري والمؤشرات العقارية والمزادات العقارية وغيرها ، حيث تجد تحليلات مفصلة وأخبارًا محدثة ونصائح قيّمة تخدم كل العاملين في القطاع العقاري والمهتمين به. اكتشف آفاقًا جديدة لمعرفتك.